الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

396

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

هول الحرب فقال عليه السّلام له : يا أحنف إنّ للهّ سبحانه عبادا تنسّكوا إليه في دار الدنيا ، تنسّك من هجم على ما علم ، من قربهم من يوم القيامة من قبل ان يشاهدوها ، فحملوا أنفسهم على مجهودها ، وكانوا إذا ذكروا صباح يوم العرض على اللّه تعالى ، توهموا خروج عنق تخرج من النار تحشر الخلائق إلى ربهم ، وكتاب يبدو على رؤوس الأشهاد فيه فضائح لهم ، فكادت أنفسهم تسيل سيلانا ، أو تطير قلوبهم بأجنحة الخوف طيرانا ، فكانوا يحنون حنين الواله في دجى الظلم ، فمضوا ذبل الأجسام ، حزينة قلوبهم ، كالحة وجوههم ، ذابلة شفاههم ، خامصة بطونهم . وعن الأصبغ قال : خرج علي عليه السّلام ذات يوم ونحن مجتمعون ، فقال : من أنتم ، وما اجتماعكم قلنا : قوم من شيعتك . فقال : مالي لا أرى سيماء شيعتي عليكم فقلنا : وما سيماهم فقال : صفر الوجوه من صلاة الليل ، عمش العيون من مخافة اللّه ، ذبل الشفاه من الصيام ، عليهم غبرة الخاشعين . « فحق لنا أن نظمأ إليهم » فيه عن السجاد عليه السّلام : كان جالسا في البيت إذ قرع عليهم قوم الباب ، فقال : للجارية انظري من بالباب فقالوا : قوم من شيعتك . فوثب عجلان حتى كاد أن يقع ، ولما فتح الباب ونظر إليهم رجع ، وقال : كذبوا ، فأين السمت في الوجوه وأين أثر العبادة . . . . « ونعض الأيدي على فراقهم » في ( الطبري ) ( 1 ) : حزن علي عليه السّلام على محمّد بن أبي بكر لمّا بلغه قتله ، حتى رئي ذلك في وجهه وتبيّن فيه ، فقام خطيبا وقال : وإنّ محمّد بن أبي بكر قد استشهد رحمه اللّه ، فعند اللّه نحتسبه ، أما واللّه أن كان ما علمت : لممن ينتظر القضاء ، ويعمل للجزاء ، ويبغض شكل الفاجر ، ويحب هدى المؤمن .

--> ( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 108 .